داخل مقر القنصلية الصينية بالإسكندرية عروس البحر المتوسط كان الهدوء يسيطر على المكان، بينما امتزجت رائحة الشاي الصيني الدافئ بروح الشرق القديمة...و الأعلام المصرية والصينية ترفر و هى متجاورة كأنها تستعيد حكاية طويلة من العلاقات الممتدة بين القاهرة وبكين، أما المبنى المعماري للقنصلية بطرازه الصيني المميز، والذي طالما لفت أنظار زائريه، فبدا وكأنه يروي بصمت فصولاً من تاريخ جمع بين أقدم حضارتين عرفهما العالم.
ووسط هذه الاجواء غلب على مشاعرى الحس الصحفى و تحدثت مع السيدة شيوي مين القنصل القنصل العام لجمهورية الصين الشعبية بالإسكندرية، عن العلاقات المصرية الصينة والتنمية فى الافريقية و قالت بهدوء وثقة و ابتسامة تحمل كثير من الامل و التفاؤل ان القرار الصيني الأخير الخاص بالإعفاء الجمركي للمنتجات الإفريقية، هو "خطوة تاريخية" ستفتح أبواباً جديدة أمام إفريقيا ومصر داخل الاسواق الصينية
وجدت الشغف الصحفى يسيطر على أكثر وقلت لها: ما خلفية هذا القرار الصيني الخاص بتطبيق سياسة "صفر تعريفة جمركية" على واردات 53 دولة إفريقية؟ ولماذا جاء في هذا التوقيت تحديداً؟.... قالت لى نحن انه"في الأول من مايو 2026 من هذا العام، بدأت الصين رسمياً تطبيق الإعفاء الكامل من الرسوم الجمركية على وارداتها من 53 دولة إفريقية ترتبط معنا بعلاقات دبلوماسية، وذلك تنفيذاً لإعلان الرئيس الصيني 'شي جين بينغ" خلال فبراير الماضي".ثم توقفت للحظة، قبل أن تواصل حديثها و قالت بنبرة تعكس ثقة بكين في توجهها الاقتصادي، قائلة:"هذه السياسة ليست خطوة مفاجئة، بل امتداد لمسار بدأناه منذ ديسمبر 2024 عندما منحت الصين إعفاءً كاملاً لـ33 دولة من قبل أن يتوسع القرار ليشمل 20 دولة إضافية".
وخلال الحديث، بدا واضحاً أن مصر تحتفظ بمكانة خاصة داخل الذاكرة السياسية الصينية، فسألتها: كيف تنظر الصين إلى مصر وسط هذا التحول الاقتصادي الكبير؟....ابتسمت القنصل الصينية وقالت بنبرة حملت كثيراً من الود و الحب و الاحترام ان :"مصر لها مكانة خاصة جداً لدى الصين، فالقرار يأتي بالتزامن مع مرور 70 عاماً على العلاقات الدبلوماسية بين بلدينا، وهي علاقات تمثل نموذجاً متميزاً للعلاقات الصينية الإفريقية".وبينما بدت ملامح الاعتزاز واضحة في حديثها:"يكفي أن تعرف أن السفارة الصينية أقامت منذ أيام نصباً تذكارياً بأحد الفنادق تخليداً لإعلان القاهرة عام 1943، ذلك الإعلان التاريخي الذي أكد حق الصين في استعادة أراضيها التي اخذت منها بعد الحرب العالمية الثانية" ووقعت امريكا والصين. و انجلترا على هذا القرار الذى يعد وثيقة إثبات حق الصين فى تايوان
وعادنا مرة اخرى فى حديثنا عن الاقتصاد و التنيمية و قالت شيوي مين القنصل الصينية: العالم يعرف ان الصين هى أكبر مصنع فى العالم كما أنها أيضا تمتلك أكبر سوق استهلاكية في العالم تضم أكثر من 1.4 مليار نسمة، والإعفاء الجمركي سيمنح المنتجات المصرية فرصة كبيرة لتعزيز وجودها داخل السوق الصينية، خاصة أن ذلك يتماشى بصورة مباشرة مع رؤية مصر 2030 الهادفة إلى زيادة الصادرات وتحقيق التنمية".
وبينما كانت كلماتها تحمل رسائل اقتصادية وسياسية عديدة، كان المشهد العالمي المضطرب حاضراً في ذهني، فسألتها: لماذا اختارت الصين فتح أسواقها لإفريقيا في وقت تتجه فيه دول عديدة إلى فرض القيود والحواجز التجارية؟... و ردت القنصل الصينية بهدوء واضح:"في الوقت الذي يرفع فيه البعض الحواجز الجمركية، اختارت الصين توسيع الانفتاح عالي المستوى وتقاسم الفرص مع شركائها في إفريقيا. نحن نؤمن بالتنمية المشتركة والمصالح المتبادلة، وليس بسياسات الإغلاق".ثم صمتت قليلاً و قالت بكل ثقة و حماس"الصين ترى أن التعاون الحقيقي مع إفريقيا لا يجب أن يقوم فقط على التجارة، بل على بناء مستقبل مشترك وتحقيق التنمية للجميع".
ومع اقتراب اللقاء من نهايته، كان يتردد فى ذهني ماهو شكل المرحلة المقبلة بين القاهرة وبكين و طرحت عليها الأمر... فأكدت أن الفترة القادمة ستشهد زيادة دخول المنتجات الزراعية المصرية إلى السوق الصينية عبر "الممر الأخضر"، إلى جانب تنامي الاستثمارات الصينية داخل مصر.
واختتمت السيدة شيوي مين قنصل جمهورية الصين الشعبية بالإسكندرية حديثها برسالة حملت الكثير من الود والتفاؤل، قائلة إن مصر كانت أول دولة عربية وإفريقية تقيم علاقات دبلوماسية مع الصين، وستظل دائماً شريكاً استراتيجياً ونموذجاً للصداقة والتعاون بين الصين وإفريقيا، مؤكدة أن القنصلية الصينية بالإسكندرية ستواصل دورها كجسر للتواصل بين الشعبين الصديقين.